مؤتمرات  

د.اياد البرغوثي يشارك في مؤتمر بمناسبة رأس السنة الأمازيغية المزيد..


"الشبكة العربية للتسامح تشارك بتنظيم مؤتمر "التنوع والمشاركة والتسامح في العالم العربي" المزيد..


الشبكة العربية تشارك في الؤتمر التأسيسي لائتلاف مناهضة خطاب الكراهية والتعصب المزيد..


 
 اخر الفيديوهات 

أياد البرغوثي: المجتمع العربي الآن يتوجه إلى التعصب بسبب الإنقسامات الطائفية المزيد ..

 
التسامح: مثل الريح الخفيفة التي تسبق المطر

 

التسامح: مثل الريحالخفيفة التي تسبق المطر
عبدالحسين شعبان
17/05/2010

ينصرفالذهن في الكثير من الأحيان -ونحن نناقش مفهوم التسامح- إلى موضوع الدين، رغم أنالتسامح الديني، لاسيما في أوروبا، في القرن السابع عشر وما بعده شكّل أساساًمتيناً لفكرة التسامح بدءا من لوك ووصولاً إلى فولتير، لكن التسامح أوسع من ذلكبكثير، خصوصاً إذا ما ربطناه بالهوية، وهو أمر لا يمكن القفز فوقه أوتجاوزه. 
وحسناًفعلت «الشبكة العربية للتسامح» في ملتقاها الفكري الثاني بمدينة الدار البيضاءبالمغرب، حين عقدته تحت عنوان «التسامح والهوية» لتضفي عليه هذه القيمةالمعنوية-الاعتبارية من جهة، والضرورية-الواقعية من جهة ثانية، إذ لا يمكن بحثموضوع التسامح بعيداً عن الهوية وعن التنوّع والتعددية وحق الاختلاف، ولكن في إطارالمشترك الإنساني. 
وقد جاء ذلك على لسان المنسِّق العام للشبكة الدكتور اياد البرغوثي وهو يكرّمالبروفسور المفكر المغربي محمد مفتاح، لمساهماته الإبداعية البحثية والأكاديميةلنشر ثقافة التسامح، لاسيما في تفعيل موضوع حوار واشتراك الهويات واتصالهاوتداخلها في إطار إنساني، وهو ما كان مثار نقاش وجدل في إطار الاختلاف بين اتجاهاتمتنوّعة، كلٌّ منهما نظر للتسامح من زاويته، الأمر الذي طرح موضوع الموقف مناللامتسامحين، فهل يجوز -بحجة اللاتسامح- تجاوز مبادئ التسامح والتعامل بعنف معاللامتسامحين خروجاً عليها، وهو الذي دفع المفكر كارل بوبر -ومنذ وقت مبكر- إلىالتفكير بمآل التسامح في ظل أطروحات اللاتسامح السائدة.
وإذاكان من ضرورة لفك الاشتباك مع فكرة عدم التنازل عن الحقوق وتنزيه مبادئ التسامح عنالفكرة الدارجة عن الصلح مع العدو، لاسيما في الوضع العربي، وبخاصة استمرار احتلالالأراضي العربية والتنكر لحق تقرير المصير، فإن الموضوع كما طُرح بحاجة إلى وقفةمراجعة جدية ونقاشات معرفية معمّقة.
فيكتابه «موسيقى الحوت الأزرق» يناقش أدونيس فكرة الهوية ويستهل حديثه بالعبارةالقرآنية التي تضيء بقِدَمِها نفسه، حداثتنا نفسها على حد تعبيره، وأعني بهاالتعارف، «وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا» أي الحركة بين الانفصال والاتصال فيآن، من خلال «رؤية الذات، خارج الأهواء» -خاصة الأيديولوجية، ويمكن أن نضيفالدينية والقومية وغيرها- بمعايشة الآخر داخل حركته العقلية ذاتها، في لغتهوإبداعاته وحياته اليومية وهي التي تتجسد بالبعد الإنساني. 
وبعد أن يستعرض أدونيس أركيولوجية الغياب المعرفي العربي على خارطة المعرفةالإنسانية، وهو ما أشارت إليه على نحو صارخ تقارير التنمية البشرية في العقدالأخير، لاسيما شحّ المعارف ونقص الحريات واستمرار الموقف السلبي من حقوق الإنسانوبخاصة حقوق المرأة والأقليات وغيرها، يطرح سؤالاً حول سبل الخروج من هذا الغياب،ويسأل أيضاً: ولِمَ هذا الغياب؟ لاسيما بتمثّل ذلك نقدياً ومعرفياً، من خلال معرفةالآخر، بمعرفة ذاتنا معرفة حقيقية، ولعل الخطوة الأولى التي ظل يركّز عليها فيكتابه الممتع والعميق، هو كيف يمكن أن يصغي بعضنا إلى بعض؟، أي أن الحوار هو الخيطالذي ظلّ يشدّه باعتباره سبيلاً للخروج من الغياب وصولاً إلى معرفة الآخر. ولعلمثل هذه الرؤية تندرج في إطار الهوية من جهة والمشترك الإنساني من جهة أخرى، تلكالتي يمكن أن تتجسد في مبادئ التسامح. 
ولعل هذه الرؤية تستند إلى إحلال الفكر النقدي التساؤلي، محل الفكر التبشيري-الدعائي،حيث يصبح الوصول إلى الحقيقة التي هي على طول الخط تاريخية ونسبية، وصولاً يشاركفيها الجميع -رغم تبايناتهم إلى درجة التناقض أحياناً- وهذا يعمّق الخروج إلى فضاءالإنسان بوصفه أولاً إنساناً، ويدفع الذات إلى ابتكار أشكال جديدة لفهم الآخر أيبالحوار ثانياً، وثالثاً يكشف لنا أن الهوية ليست معطى جاهزاً ونهائياً، وإنما هيتحمل عناصر بعضها متحرّكة ومتحوّلة على الصعيد الفردي والعام، وهو ما يجب إكمالهواستكماله دائماً في إطار منفتح بقبول التفاعل مع الآخر، ولعل الحوار هو السؤالالأكثر إلحاحاً بشأن هذا التأثر والتأثير والتلاقح والتعاشق، باعتباره قيمة أساسيةمن القيم السماوية، لاسيما للمتدينين التي دعت إلى الحوار والسلم والتواصي والتآزروالتراحم والتقوى والتسامح، بقدر كونها قيمة وضعية على المستوى الإنساني، لا غنىعنها سواءً بمعناها الاجتماعي أو السياسي أو القانوني أو الثقافي أو الأخلاقي.
هل الهوية جوهر قائم بذاته، لا يتغيّر أو يتحوّل؟ أم هي علاقة تجمعها مواصفات بحيثتكوّن معناها وشكلها؟ وبالتالي لا بدّ من تنميتها وتعزيزها وتفعيلها في إطارالمشترك الإنساني، الأمر الذي يتخطّى بعض المفاهيم السائدة، ذات المسلّماتالسرمدية السكونية لدرجة التقوقع، وينطلق إلى خارج الأنساق والاصطفافات الحتمية،من خلال قراءات مفتوحة تأخذ التطور بعين الاعتبار كعناصر تفعيل وتعزيز وتحوّل فيالهويات الخاصة والعامة. 
بهذاالمعنى لا يكون اختلاف الهويات أمراً مفتعلاً حتى داخل الوطن الواحد، إذا كان ثمةتكوينات مختلفة دينية أو إثنية أو لغوية أو سلالية، ناهيكم عن اختلاف الهوياتالخاصة للفرد عن غيره وعن الجماعة البشرية، ولعل هناك علاقة بين الشكل والمعنىالتي تتكون منها الهويات الفرعية–الجزئية الخاصة وبين الهويات الجماعية العامة ذاتالمشتركات التي تتلاقى عندها الهويات الفرعية للجماعات والأفراد، حيث تكون الهويةالعامة أشبه بإطار قابل للتنوّع والتعددية، جامعاً لخصوصيات في نسق عام موحد،ولكنه متعدد وليس آحاديا، فمن جهة يمثل هوية جامعة، ومن جهة أخرى يؤلف هوياتمتعددة ذات طبيعة خاصة بتكوينات متميزة إما دينياً أو لغوياً أو إثنياً أو غيرذلك، فالشكل ليس مسألة تقنية، حسب أدونيس، وإنما هو مسألة رؤية. 
ولعلالحديث عن هويات فرعية، أو خصوصيات قومية أو دينية، لأقليات أو تكوينات، يستفزأحياناً بعض الاتجاهات المتعصبة دينياً أو قومياً، فهي لا ترى في مجتمعاتنا سوىهوية واحدة إسلامية أو إسلاموية حسب تفسيراتها وقومية أو قوموية حسب أصولهاالعرقية ونمط تفكيرها واصطفافات طبقية كادحيّة حسب أيديولوجياتها الماركسية أوالماركسيوية، أما الحديث عن حقوق وواجبات ومواطنة كاملة ومساواة تامة وحق الجميعفي المشاركة وتولي المناصب العليا دون تمييز بما فيها حقوق المرأة وحقوق متساويةللأديان والقوميات، فهي تصبح في الواقع العملي ليس أكثر من مؤامرة ضد الأمةوالدين، تقف خلفها جهات إمبريالية-استكبارية تضمر الشرور للمجتمعاتالعربية–الإسلامية، وبهذا المعنى لم تسلم حقوق بعض المبدعين في التميّزوالاستقلالية والتفكير الحر، واعتبرت بمثابة انشقاق وخروج على الجماعة، أما فيمعارضة تفكيرها، فالأمر قد يستحق العقاب والتحريم والتجريم. 
إنمثل هذه الممارسات المتعصبة أو غير المتسامحة، لاسيما بحق الجماعات القومية أوالدينية دفعتها إلى الانغلاق وضيق الأفق القومي، وبخاصة إذا كانت قد تعرّضتللاضطهاد الطويل الأمد وشعرت بالتهديد لهويتها، وهو الأمر الذي كان أحد نقاط ضعفالدولة القطرية العربية تاريخياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد الاستقلال.

لنقارب المسألة من زاوية أخرى، بالقول إن الأفكار الشمولية التي غالباً ما تدّعيامتلاك الحقيقة والأفضليات لا تقبل الحوار ولا تعترف بالآخر ولا تقرّ بمبادئالتسامح، وهي تستبطن الاصطفافات الجاهزة حيث تذوب كيانية الفرد وخصوصيته في إطارالجماعة مثلما تصهر حقوق الجماعات القومية أو الدينية أو اللغوية الأخرى، في إطارالثقافة السائدة في المجتمع، عرقاً أو ديناً أو لغة، والحجة كما يتم التبرير في كلمرة، «الرأي الواحد الموحد المركزي»، الذي ينبغي أن يخضع له الجميع وفق تراتبيةنمطية مفروضة عمودياً، فالحقيقة معها وما عداها ليست سوى بطلان وشرور وهو ما يعبّرعنه في إطار الدول الشمولية. 
إنالإقرار بالتنوّع الثقافي والديني والإثني هو إقرار بواقع أليم، فقد كان ثمنالتنكّر باهظاً، وأسهم في تفكيك الوحدة الوطنية، وهدّد الأمن الوطني، واستخدمتهالقوى الخارجية وسيلة للتدخل، وكان سبباً في هدر وتبديد الأموال وفي الحروبوالنزاعات الأهلية وفي الفساد، بدلاً من توظيفه بالاتجاه الصحيح باعتباره مصدر غنىوتفاعل حضاري وتواصل إنساني، وقبل كل شيء باعتباره حقاً إنسانياً، ولعل ذلك من أهمما دعت إليه «الشبكة العربية للتسامح»
منذ تأسيسها، حين وضعت نشر ثقافة التسامح هدفاً
أسمىلنفسها، وكأنها تستقرب ريحاً خفيفة بانتظار مطر واعد!

 




جميع الحقوق محفوظة 2013 : الشبكة العربية للتسامح